.
النسيان
أتى المجوس، سجدوا، أهدوا، ثم مضَوا، ولم يُسمَع لهم خبر بعد ذلك.
هل تذكّروا الزيارة والرحلة؟ هل تذكروا حين بلغتهم أخبار أورشليم «العظيمة» بعد ٣٣ عامًا؟
أم نسوا… كما ننسى نحن؟ كما ينسى الإنسان.
يردّ بعضهم أصل كلمة «إنسان» إلى النسيان. قد لا تكون هذه الصلة دقيقة في علم اللسانيات، لكنها، على الأرجح، الأقرب إلى حقيقة الهوية الإنسانية: كائن يعيش بالذاكرة، ويستمرّ بالنسيان.
ألم ينسَ أهلُ بيت لحم ما فعله هيرودوس بأطفالهم حديثي الولادة؟ فجاء ابنه من بعده ليقطع رأس يوحنا من أجل رقصة.
يمضي التاريخ، وتُطوى الفواجع، ويُعاد إنتاج الظلم بلغة أخرى.
ننسى وكأن شيئًا لم يكن.
كأننا لم نكن هناك.
كأننا لم نكن هنا.
أهو النسيان إحدى سماتنا كبشر فعلًا؟
أم أن ماكينة الطغاة الدعائية كانت دائمًا أشدّ فتكًا من ذاكرتنا؟
وهل النسيان وسيلتنا الوحيدة للاستمرار، حين يحيط بنا العجز وتسحقنا موازين القوى؟
رحمةً ورأفةً بأنفسنا ننسى.
لكن النسيان، حين يطول، لا يعود رحمة، بل تواطؤًا صامتًا.
ماذا لو نسينا العجز للحظة؟
هل يبقى عجزًا؟